قامشلي (23/08/2026)
بمناسبة مرور مئة عام على تأسيس مدينة قامشلي، عقدت مؤسسة نيكستيب، بالتعاون مع منظمة أرتيست للثقافة والتنمية، وجمعية شاويشكا، ومنصة نيكستوري، محاضرةً بعنوان «قامشلي.. مئة عام من التاريخ والثقافة والتنوع»، ألقاها الأستاذ فارس عثمان، الكاتب والباحث في تاريخ المنطقة، وذلك في مكتب مؤسسة نيكستيب بمدينة قامشلي.
حضر المحاضرة 15 شاب/ة، (5 رجال و10 نساء)، من مختلف مجتمعات المنطقة. وتناولت مراحل تأسيس المدينة، وتشكّل مجتمعاتها وهويتها، ودورها الثقافي والاجتماعي، إلى جانب نقاشٍ حول مسؤولية الفئة الشابة في حفظ ذاكرة المدينة وصون تنوعها الثقافي والاجتماعي، وفيما يلي أبرز ما جاء في المحاضرة:
مرحلة التأسيس وتشكّل المدينة
بدأت المحاضرة باستعراض السياق التاريخي للمنطقة، وصولاً إلى مرحلة الانتداب الفرنسي على سوريا وما رافقها من تقسيمات إدارية ووصول القوات الفرنسية إلى منطقة الجزيرة السورية.
وتحدث المحاضِر عن الظروف التي أدت إلى اختيار موقع مدينة قامشلي، مشيراً إلى مجموعة من العوامل، أبرزها قرب الموقع من مدينة نصيبين التاريخية، ووجود نهر جقجق، إضافةً إلى أهمية خط سكة حديد بغداد. كما تناول تأثير ترسيم الحدود بين سوريا وتركيا، والحاجة إلى إنشاء مراكز تجارية جديدة في المنطقة.
وتطرقت المحاضرة إلى الأراضي التي أُقيمت عليها المدينة، ودور بعض العائلات في التبرع بأراضيها من أجل تأسيسها، إضافة إلى كيفية توزيع الأراضي على السكان الوافدين/ات إلى المدينة الجديدة، والمخطط العمراني الأول للمدينة، والذي اعتمد نظام المربعات، فيما يشبه تخطيط مدينة باريس، حتى أن قامشلي عُرفت في مراحل مبكرة باسم «باريس الصغرى».

مجتمعات قامشلي وتشكّل هويتها
تناولت المحاضرة أيضاً التنوع السكاني الذي رافق نشوء مدينة قامشلي، واستقرار مجتمعات مختلفة فيها، من الكرد والعرب والسريان والأرمن والآشوريين/ات واليهود، وما أسهم به هذا التنوع في تشكيل هوية المدينة وحياتها الاجتماعية والاقتصادية.
وتطرق المحاضِر إلى دور المؤسسات التعليمية والدينية في حياة السكان، موضحاً أن الكنائس كانت من بين المؤسسات التي أسهمت في التعليم ونقل اللغة والمعرفة، إلى جانب انتشار المدارس النظامية في مراحل لاحقة.
وشهد هذا المحور عدداً من الأسئلة والاستفسارات من الحضور حول أقدم أحياء المدينة، وطبيعة هوية بعض الأحياء، واللغات التي كانت متداولة بين سكان قامشلي.
كما ناقش الحضور تاريخ الجالية اليهودية في المدينة، ومصير بعض العائلات والأملاك بعد هجرتها، وذلك في إطار استعراض المجتمعات التي ساهمت في تشكيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية في قامشلي خلال مراحل مختلفة من تاريخها.
قامشلي والحياة الثقافية
تناول المحاضِر مكانة قامشلي بوصفها مدينةً لم تقتصر وظيفتها على التجارة، إنما تحولت، بفعل تنوع سكانها وتفاعلهم/نّ، إلى مركز للحياة الثقافية والفنية والاجتماعية.
وتحدث عن الشوارع والحدائق والمقاهي التي كانت تشكل مساحات للقاء والتفاعل بين سكان المدينة، إلى جانب المقاهي والمطاعم التي كانت تنتشر على ضفاف نهر جقجق.
واستعرض المحاضِر تاريخ دور السينما والمسرح والمكتبات والمطابع في قامشلي، ودورها في تنشيط الحركة الثقافية، إلى جانب عدد من الأدباء والفنانين والمصورين والشخصيات الثقافية التي ارتبط اسمها بالمدينة وأسهمت في الحياة الأدبية والفنية فيها، وانعكس التنوع السكاني والثقافي في قامشلي على تعدد أشكال التعبير الثقافي والفني، وأسهم في منح المدينة طابعاً خاصاً جعلها مساحةً للتفاعل والتبادل بين مختلف مجتمعاتها.
دور الفئة الشابة في حفظ ذاكرة المدينة
ركزت المحاضرة على دور الفئة الشابة في الحفاظ على ذاكرة مدينة قامشلي، خاصةً في ظل التحولات الاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة، وأشار المحاضِر إلى أهمية توثيق التجارب والقصص التي عاشتها الأجيال السابقة، وعدم الاكتفاء بالمعرفة السطحية، بل البحث والقراءة والاهتمام بجوهر الأحداث وفهم السياقات التاريخية.
من جانبهم/نّ، أكد/ت المشاركون/ات على أهمية أن يؤدي الشباب دور الوسيط بين الأجيال، من خلال جمع الصور والوثائق والقصص والشهادات الشفوية، لا سيّما القصص التي تتحدث عن العيش المشترك والعلاقات الاجتماعية بين مختلف مجتمعات المدينة، وحفظها ونقلها إلى الأجيال القادمة.
كما ناقش الحضور أهمية تمكين الفئة الشابة وإتاحة المجال أمامها للمبادرة والإبداع والمشاركة في الحياة الثقافية والاجتماعية، باعتبارها الفئة التي تملك القدرة على تطوير أدوات جديدة للتوثيق والتعريف بتاريخ المدينة وهويتها.

التوصيات والمقترحات
ختاماً، ناقش الحضور مجموعةً من التوصيات والمقترحات التي من شأنها المساهمة في الحفاظ على هوية مدينة قامشلي وتنوعها الثقافي والاجتماعي، ومن أبرزها:
- توثيق الصور والقصص والشهادات التي يرويها كبار السن، ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الثقافية.
- تشجيع الشباب والشابات على التعرف إلى ثقافات وموروثات مختلف مكونات المدينة وتعزيز التبادل الثقافي فيما بينها.
- توفير مساحات آمنة للشباب والشابات، ومراكز ثقافية وتأهيلية، وأندية رياضية ومساحات لتعلم المهارات الجديدة.
- تعزيز مشاركة الشباب والشابات في مراكز صنع القرار وإتاحة المجال أمامهم/نّ لطرح قضاياهم/نّ والمساهمة في إيجاد حلول لها.
- تفعيل الأنشطة الثقافية والفنية المشتركة، مثل المهرجانات والفعاليات التي تجمع مختلف مكونات المدينة.
- توسيع مساحات الحوار وتعزيز ثقافة تقبل الآخر/الأخرى، باعتبار الحوار أحد الأسس المهمة للحفاظ على التنوع والتماسك المجتمعي.
- العمل على إيجاد وإحياء المساحات العامة والمشتركة التي تتيح للسكان اللقاء والتفاعل.
- تشجيع المبادرات المجتمعية الهادفة إلى حماية البيئة والمعالم الطبيعية في المدينة، ومن بينها المبادرات المتعلقة بتأهيل نهر جقجق والحفاظ عليه.
- ربط الشباب والشابات بمدينتهم/نّ وأرضهم/نّ وتعزيز شعورهم/نّ بالمسؤولية تجاه الحفاظ على هويتها وتطويرها.

